تسابيح خافتة تحت مجرى الكيماوي
بعد غياب قد طال على أهل المدونة، وعلى مساحتي الخاصة الصغيرة، آتيكم في نهاية هذه الأيام الفضيلة المباركة التي قاربنا أن نودعها، ولا ندري هل سنرحب بها ونودعها العام القادم أم لا...
أيامٌ تتضاعف فيها الأجور، ويحصد المخلصون العاملون من ثمراتٍ تملأ الميزان ما لا يحصدونه في مواسم أخرى.
وفي غمرة هذه الأيام الثمينة، وبينما كان العباد مرتحلين في طاعاتهم—بين حُجاجٍ، وصائمين، وقائمين—اصطفى الله من عباده من سافر لتلقي العلاج باحثاً عن النجاة كما أمره سبحانه، ليكونوا شهداء في تلك الأيام العظيمة.
وهنا، تصادف هذه الأيام إتمام والدتي عامين من مواجهة المرض.. بل توديعها لهذه الدنيا، حيث توفيت والدتي منذ عشرة أيام، تحديداً في يوم التروية، وكنت فيما قبلها بيوم واحد قد شرعت بكتابة هذا المقال ولكن قدر الله وماشاء فعل وانتهت رحلة أمي وصراعها مع المرض لعامين كاملين.
هنا لن أحدثكم عن شيء خيالي، ولا معجزة واقعة، بل كيف للبلية أن تزكي النفس، سأحدثكم عن ذلك وأنا في الغرق لا في اليم
عامان بلياليهما، بحمدِ اللسان، ببرودة الوهن، بامتلاء الرأس شيباً ثم تساقطه، بطريقٍ ممتد لسبع ساعات طوال، متصحر خاليٍ من أي أُنس سوى بالله!
كل ذلك كان نحو العلاج، وبتسبيحةٍ خافتة تحت مجرى الكيماوي.. مضى عامان بصلاةٍ على النبي، وبحمدٍ وصبرٍ طويل!
امرأة في الثامنة والخمسين من عمرها… أميةُ التعليم، لسان حالها في وصفِ ذاتها: "يا دوب بفك الخط".في بقعةٍ جغرافية من هذا العالم، تغربت لثلاثين عام وريثما كانت تنتظرُ حفيدها الثالث أبتليت بالسرطان.
وكعادة البلاء، لم يكن ضيفاً خفيفاً، ولم يكن زائراً تُسر بقدومه أو يستساغ مذاقه؛ بل كان شرساً، طمع ببنكرياسها وبعضٍ مما لا أحب ذكره.
حمل من اللؤم ما ألقى على جسدها الوهن والضعف، ولكنك ما تراها ها هنا إلا حامدةً الله سبحانه، راضيةً بما قُسِم لها في عمرها.
فكيف لقلبٍ أن يحتمل كل هذا؟
وهل تُزكى تلك النفسُ بالبلاء وهي بخضم الألم؟!
إن زكاة هذه النفس البشرية تكمُن في كُل بلية.
فكلُ بلاء يغسل هذا القلب من كبره الواقع، ويطهرُ هذه الجوارح من كل فعل غير لائق…فهو تزكية!
وسبحان من جعل في البلية عِبراً وتهذيباً وتقويماً لكل اعوجاج. يتعددُ البلاء بالوقائع؛ فقد يكون مرضاً لابنة، أو موتاً لأم، أو فقراً يصيب عائلة، أو شتاتاً للقلب، أو فاجعةً تُصيب أعز ما تملك.. ولله الملك وهو الملك.
المرض يصعب على الجسد، خاصة لمن وهن العظم منه وامتلأ رأسه شيباً، وهو أعتى وأشد من فقد المال وما شابهه! ولكن، كان هنالك صوتٌ يتردد في أرجاء المكان دائماً بفيضٍ من السكينة والحنان:"الحمد لله... كلنا تحت رحمة الله".
أتذكر هنا بينما أتحدث عن أمي قول شيخنا أحمد السيد لطلابه عن سمية رضي الله عنها وأرضاها:
"وإن معلوماتكم الشرعية تفوق ما تعلمته سمية رضي الله عنها، ولكن سمية تفوقكم بالعمل والشهادة في درجاتها فيما بذلته للإسلام!”
سبحان الله…
كيف لليقين والتسليم أن ينقلا الإنسان من موضع إلى موضع!
لقد كان هذا المرض بلاءً عاصفاً، ولكنه كان مصحوباً بالتهذيب والتطهير ورفعة بدرجات النعيم وحسن الخاتمة رغم الألم:
لم يكن السرطان بلاؤها وحدها، بل كان بلائي، وبلاء أبنائها وزوجها، بلاء جميعاً. لقد ربّى كلَّ واحدٍ فينا، وهذّب طبعاً من طباعه، تاركاً فينا أثراً لا يُشار إليه بالبنان فحسب، بل يُرى واضحاً كشروق الشمس في أعماقنا.
حينما كانت نتائج التحاليل والأشعة تأتي سيئة، ويباغتني شعور الضيق والاختناق، لم أكن أرى إلا صدرها الحنون يعانقني لتقول ببرود الرضا: "هاد اللي كتبه الله"!
لقد رحلتْ جسداً، وبقيتْ أثرًا…
علمتني أمي كيف يكون الحمد، وكيف تكون زكاة النفس في جوف البلية، وأن يصبر القلب على فقدان ما يعزه!
رغم شوقه، رغم ألمه، رغم حنينه وقلبهِ المخذول.
هذا المقال كَتبته ليس للفت الانتباه، ولا لإثارة الشفقة، بل إنني كما تعلمت منها الصبر تعلمت منها المكابرة على الألم، لا تزال حاضرةً في وجداني، هنا كتبتُ من أجلها، وهنا نفذتُ شيء من وعدي لها، هنا أحاول العيش كما كانت تحب أن أكون!
قرأت شيئا بسيطا أحب أن اذكره بالختام بأن هنالك حكمة بأن يتوفى الله الوالدين قبل الأبناء لكي يدعو لهما ويتصدقوا عنهما ثم حين يحينُ الأجل يدعواني الله للأتيان بذريتهم فيرتفعوا إلى والديهم، ولله الحكمة
قد فاض القلب حنينًا ولهفةً ولكن ملتقانا جنات على مد البصر، نخلُد فيها ونُجمع فرحين بما آتانا الله… وإلى ذلك الحين اسأل الله العلي العظيم أن يتقبلك شهيدة، وأن يُنعمكِ بنعيم لم ينعمه على عبدٍ من عباده، أسكنكِ الله الفردوس كما أسكنكِ بقلبي.
نجاح مروان
يوم التروية، الثامن من ذي القعدة ١٤٤٧
الواحد والعشرون من ذي القعدة ١٤٤٧
تعليقات
إرسال تعليق