شبحُ الوقت
هل باتت الفُطرة منحرفة، أم أصبحنا نجُهل الذات التي عرفناها؟!
إن من آفات هذه السرعة التي لا يُحمد عقباها أنها جعلت منَّا أشباهًا غير مألوفين، مجهولين عن ذواتنا، خارجين عن البيئة التي تصنع من الإنسان إنسانًا. والمسلم عند تسارع الوقت لا ينسلخ عن نفسه فقط، بل عن إيمانه، معتقداته، وإحسانه، فيصبح عاجزًا عن ضبط نفسه ومحاسبتها، بل والتوبة من ذنوبه إن سلّم نفسه لوقته دون إدراك ووعي.
وإن كنت في عقلك تتساءل: هل خرجت عن صلب مقالي؟
أجابتي لك:
إن الوقت وانسلاخ النفس وفحش فعلها من ذنب وخطيئة أمر مرتبط لا مُنفك، فقد ورد عن النبي ﷺ:
“يَتَقَارَبُ الزمانُ، ويَنقُصُ العملُ، ويُلقَى الشحُّ، وتَظهَرُ الفتنُ، ويَكثُرُ الهرجُ”
(رواه البخاري ومسلم).
وهذا تبيان واضح بأنهم مترابطون بصورة مرئية واضحة لمن عقل وبحث عن رابط.
ولنكن ممن خرج سوية من قالب المثالية الذي لا جدوى منه ولا واقعية وأعتدنا مشاهدته في سرعة الزمان "والسوشيال ميديا"، لكن نحن غير داعيين للعجز، ففطرة المسلم الصحيحة أنه لا يعجزه أمر من أمور دنياه، ولا يخضع إلا لله، ولا يهاب سوى أمر آخرته، ولا يطمع ولا يرجو إلا نعيم المنعم عليه، ولا يخشى سوى بطش الشديد القوي.
فالفطرة إن ابتعدت عنها بعُدت وانسلخت عنك رويدًا رويدًا، وتبدلت أحوالها وتقلبت حتى انحرفت. والإنسان ينسى نفسه من شدة تسارع الأيام فلا يعلم ما فاعل هو. والمسلم لا يخلو من ذنب، وليس معصومًا عن الخطايا والآفات.
وعندما تجتمع هذه الثلاث:
• فطرة
• إنسان
• مسلم
يتكون لدينا بيئة، والعمل بها مطلب وواجب عين لا فرض كفاية. فكل دواعي الفطرة والإنسانية يعلوها النظام الإسلامي، كلهم يدعون للعمل لا للقعود، ولحفظ النفوس من شر الآفات وسرعة الوقت وضياعه، ولصيانة النفس عن انحراف واقع بعصر السرعة.
• فالفطرة تحب الحياة لا الموت، وسرعة الوقت وضياعه موت لها.
• والإنسانية تبحث عن راحة الإنسان، والراحة لا تُدرك بالراحة بل بالعمل والبذل.
• وأما النظام الإسلامي ألا يكفيك قول النبي المرسل ﷺ:
(إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)
[رواه أحمد والبخاري]
وهذه دعوته لنا بالعمل والإحسان بالرغم من قيام القيامة! والإسلام لا يثبت لك فقط أن العمل مهم، بل يثبت لك أنك لست مسؤولًا عن النتائج إنما على البذل، فما الفائدة من غرس فسيلة وقد هالت القيامة؟
هذا من لطف اللطيف، وليست الفكر في الفسيلة بل بكل الأعمال التي نقوم بها وليس لها نتيجة سريعة أو رؤية واقعية حالية وإنما تكون أجور من الله سبحانه وتعالى، ولو أبصر في واقعنا الحالي مع فعل المقاطعة، في ضِل مصاب أهلنا في غزة -فرج الله كربتهم ونصرهم على من عاداهم وجعل من أمرهم رشدًا وأطعم جائعهم وهدى مجاهدهم وشافى مريضهم- فلم يكن هناك نتائج سريعةً وظاهرة أو مرضية للعامة خاصة في أول عام ولكن الإستمرارية أحدثت فاعلية لن يستطيع العدو نسيانها،وغيره من الوقائع التي يلزمنا النظر للعمل والبذل لا للنتائج الفورية.
لست أخفي عليكم الآن لكنه يستحضرني قول لابن القيِم في كتابه الداء والدواء:
“فصل [الخطايا تنسي العبد نفسه|| ١٠٥ص]
ومن عقوباتها: أنها تُنسي العبد نفسه، وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها.”
فإن كانت السرعة تسبب النسيان، والنسيان يسبب الإهمال والإفساد والإهلاك والانسلآخ، فكان لا بد من حل لروح المؤمن لينجيه من هلاكه المحتوم إن سلّم نفسه لنفسه.
وقد قلت سابقًا أننا سنبتعد عن المثالية، فلن أقول لك: فلتكن من غير ذنب، أو دع ساعة كاملة لمحاسبة ذاتك، أو انعزل عن السوشيل ميديا، أو امضِ في وقت بطيء، فكل ذلك هراء غير واقعي.
إن هذا الدين يراعي طبيعتنا البشرية، يألفها وتألفه. بل كان من فضل الله أنه قد أحب التوابين وأحب انبعاثهم إليه وإقبالهم عليه، وأحب العاملين في دنياهم المتفكرين في آخرتهم والباحثين عن خالقهم.
والحل الخالص لمشكلتنا اليوم هو: دعاء، محاسبة، متعة
ودعونا نفصلهم سويّة:
• دعاء
على المسلم خمس فروض، لو تلا وبعث دعوة لله… دعوة واحدة في كل صلاة، لكان له في يومه خمس دعوات. وكان دعاء الخليل أن يقيمه الله على دينه حنيفًا هو وذريته ولا يجعله من المشركين:
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: 128]
فلما لا نجعل لنا وردًا من الدعاء من خالص أدعية الأنبياء يقيم أمر ديننا ودنيانا؟
وباب الدعاء هو باب للنجاة، لا يدرك ولا يعلمه إلا صادق.
ومختصر إجابة الدعاء: إدراك ضعف النفس وقلة حيلتها وكثرة ذنبها وقليل صلاحها، والشكاية لله عنها، والوعي بعظيم الرب وسعة كرمه وفضله، واللجوء إليه بما عرفناه عنه وما لا نعرف.
• محاسبة
والمحاسبة لا تكون بالوقت الطويل، بل بطول النفس عليها، والجلد على ما تحمل من بيانٍ للنفس وانكشاف. فلو وضعنا عشر دقائق مع صلاة الفجر لمحاسبة الذات على ما ستفعل اليوم وعلى ما ستنفق وقتها، وعشر دقائق أخرى في صلاة العشاء على ما فعلت وعلى ما يجب أن تُنهى عنه، لكان في ذلك خير كثير.
• المتعة
أن نجد رابطًا بين كل ذلك ونصله بالمتعة، فالمتعة غريزة، وأن تكون بيانًا ظاهرًا في النفس أمرٌ مطلوب بداخلك، والعاقل من عقل ذلك وعرف مداخل نفسه وهذبها. بالنسبة لي فأنا أحب التوثيق والتصوير الفوتوغرافي، فأجمع محاسبتي لنفسي مع ذلك ويكون بالنسبة لي إنجازًا ومتعة. والمتعة تبقي الاستمرارية وتحافظ عليها خاصة بعد فترات من الفتور أو البعد.
فليس المبتغى كثرة الأوقات أو المثاليات التي لا وجود لها في طبيعتنا البشرية، بل المطلوب منك هو السعي والإخلاص والجهاد. وإنما البركة والاستمرارية كلها بناء يُبنى ويوصول لإصلاح النفوس ونجاتها من شرورها. ومن السهل أن ينجح الإنسان في فعل ذلك لو سأل الله ذلك ثم علم مداخل ومخارج نفسه، وأغلق أبواب الشيطان التي يدخل منها إليه.
ختامًا:
هذا المقال هو تجربة شخصية، ونتاج لقراءة وتفكر شخصي، أرجو أن يكون ذا جدوى تعود إليكم بالنفع.
ولكن يا ترى، هل ستزرعون العشر دقائق التي تحدثت عنها بكم؟
وأن كنت عزمتم على ذلك فمتى؟
فلتبدأ من الآن، كل شيء يبدأ صغيرًا بنا ثم يكبر بداخلنا كالحب تمامًا!
تعليقات
إرسال تعليق